يحيي بن حمزة العلوي اليمني

186

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المجرى الثاني في عرف اللغة الكناية مقولة على ما يتكلم به الإنسان ، ويريد به غيره ، وأنشد الجوهري لأبى زياد وإني لأكنو عن قذور بغيرها * وأعرب أحيانا بها وأصارح والكناية بالضم ، والكسر في فائها ، واحدة الكنى ، واشتقاقها من الستر ، يقال . كنيت الشئ ، إذا سترته ، وإنما أجرى هذا الاسم على هذا النوع من الكلام ، لأنه يستر معنى ويظهر غيره ، فلا جرم سميت كناية ، فالعرف متناول للعبارة كما ترى . المجرى الثالث في مصطلح النظار من علماء البيان وقد ذكروا في بيان معناها تعريفات كثيرة ، ونحن نورد الأقوى منها بمشيئة الله تعالى . التعريف الأول ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني . وحاصل كلامه هي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ويأتي بتاليه وجودا ، فيومئ به إليه ، ويجعله دليلا عليه ، ومثاله قولنا : فلان كثير رماد القدر ، طويل نجاد السيف ، فنكنى بالأول عن جوده ، وبالثاني عن طول قامته ، هذا ملخص كلامه ، وهذا فاسد لأمور ثلاثة ، أما أولا فلأن قوله « ويأتي بتاليه » إما أن يريد بتاليه مثله ، فهو خطأ ، فإن الكناية ليست مماثلة لما كان من اللفظ الذي ترك بالكناية ، لأن كثرة الرماد ، ليس مماثلا لكونه كريما ، وإما أن يريد معنى آخر ، فيجب ذكره ، حتى ننظر فيه ، إما بصحة ، وإما بفساد ، وأما ثانيا فلأن قوله « فيومئ به » ليس يخلو الإيماء ، إما أن يكون على جهة الحقيقة ، أو على جهة المجاز ، فلفظة الإيماء محتملة لما ذكرناه وليس في الإيماء إشارة إلى أحد الوجهين ، فلا بد من بيان أحدهما ، وإلا كان كلاما مجملا لا يفيد فائدة ، وهو مجانب لصناعة الحدود ، وأما ثالثا فلأن ما هذا حاله ينتقض بالاستعارة في نحو قولك : رأيت الأسد ، ولقيت بحرا ، فإنك فيه قد تركت اللفظ الموضوع للشجاعة والكرم ، وأتيت بتاليهما ، وأومأت بهما إليه ، وإذا دخلت الاستعارة في هذا الحد كان باطلا ، لأنه لم يفد خصوصية الكناية على انفرادها ، وقد مر الشيخان أبو المكارم صاحب التبيان ، والمطرزي على ما قاله الشيخ عبد القاهر ، ولم يعترضاه بما ذكرناه من الإفساد .